محمد بيومي مهران
75
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
الأغنام ، فكيف يعرفون وجودا من عدم ، ومن أجل هذا عرفهم ، وهم له منكرون ، ولم يخطر على بالهم أنه نجا من الجب الذي ألقوه فيه ، وأنه عاش وكبر ، ونزح من كنعان إلى مصر ليصير وزيرا خطيرا « 1 » . ومن عجب أن التوراة ، ومن نحا نحوها من المفسرين ، إنما تفاجئنا بصورة غريبة عن محاورة دارت بين يوسف وإخوته ، تذهب فيها إلى أن الصديق إنما عرف إخوته منذ اللحظة الأولى للقائه بهم ، وأنه قد اتهمهم بالتجسس ثم حبسهم أياما ثلاثة ، ثم أطلق سبيلهم ، وإن استبق أخاهم « شمعون » حيث قيّده على مرأى منهم ، حتى يعودوا إليه بأخيهم « بنيامين » « 2 » ، وهذا التهديد ، إن حملناه محمل الجد ، فلا بدّ من القول إنه إنما يدل على أن يوسف إنما كان يحمل حقدا دفينا على إخوته ، وهو أمر لا نشك في براءة الصديق منه البراءة ، كل البراءة ، هذا وقد ذهبت جمهرة من المفسرين والمؤرخين المسلمين إلى أن إخوة يوسف لما دخلوا عليه عرفهم وقال كالمنكر عليهم : ما أقدمكم بلادي ؟ قالوا : جئنا للميرة ، قال لعلكم عيون ( جواسيس ) علينا ، قالوا : معاذ اللّه ، قال فمن أين أنتم ، قالوا من بلاد كنعان ، وأبونا يعقوب نبيّ اللّه ، قال : وله أولاد غيركم ، قالوا نعم ، كنا اثنى عشر ، فذهب أصغرنا وهلك في البرية ، وكان أحبنا إليه ، وبقي شقيقه فاحتبسه ليتسلى به عنه ، وجئنا نحن العشرة ، فأمر بإنزالهم وإكرامهم « 3 » . وأما القرآن الكريم فقد ذكر أن يوسف أكرم وفادتهم ، ورد إليهم ما
--> ( 1 ) تفسير أبي السعود 4 / 288 ، محمود زهران : قصص من القرآن ص 87 . ( 2 ) تكوين 42 / 7 - 24 . ( 3 ) أنظر : تفسير النسفي 2 / 288 ، تفسير الجلالين 2 / 249 ، مختصر تفسير ابن كثير 2 / 255 ، صفوة التفاسير 2 / 58 ، تاريخ الطبري 1 / 348 ، الكامل لابن الأثير 1 / 84 ، البداية والنهاية لابن كثير 1 / 211 .